محمد بن جرير الطبري
190
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
على الامتناع منه ممن أرادها به . يقول جل ثناؤه : وأخلصوا أيها الجهلة عبادتكم لفاعل هذه الأشياء ، ولا تشركوا في عبادته شيئا غيره . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : والله الذي جعل لكم أيها الناس النجوم أدلة في البر والبحر إذا ضللتم الطريق ، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلون بها على المحجة ، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة فتسلكونه ، وتنجون بها من ظلمات ذلك ، كما قال جل ثناؤه : وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي من ضلال الطريق في البر والبحر ، وعنى بالظلمات : ظلمة الليل ، وظلمة الخطأ والضلال ، وظلمة الأرض أو الماء . وقوله : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول ؛ قد ميزنا الأدلة وفرقنا الحجج فيكم وبيناها أيها الناس ليتدبرها أولو العلم بالله منكم ويفهمها أولو الحجا منكم ، فينيبوا من جهلهم الذي هم عليه مقيمون ، وينزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون ، ولا يتمادوا عناد لله مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ في غيهم . وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قال : يضل الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : وإلهكم أيها العادلون بالله غيره أنشأكم يعني : الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئا مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني : من آدم عليه السلام ؛ كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ قال : آدم عليه السلام . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ من آدم عليه السلام . وأما قوله : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون ؛ فقال بعضهم : معنى ذلك : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ، فمنكم مستقر في الرحم ومنكم مستودع في القبر ، حتى يبعثه الله لنشر القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن إبراهيم ، عن عبد الله : يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها قال : مستقرها في الأرحام ، ومستودعها حيث تموت . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن إسماعيل ، عن إبراهيم ، عن عبد الله أنه قال : المستودع حيث تموت ، والمستقر : ما في الرحم . حدثت عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن المندي ، عن مرة ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : المستقر الرحم ، والمستودع : المكان الذي تموت فيه . حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن إبراهيم : يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها قال : مستقرها في الأرحام ، ومستودعها في الأرض حيث تموت فيها . حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مقسم ، قال : مستقرها في الصلب حيث تأوي إليه ، ومستودعها حيث تموت . وقال آخرون : المستودع : ما كان في أصلاب الآباء ، والمستقر : ما كان في بطون النساء وبطون الأرض